الكتاب المفدس 2 (أ) فريد في بقائه

| الثلاثاء, 03 مايو 2016 |

الكتاب المفدس 2 (أ) فريد في بقائه


(أ) فريد في بقائه

1(ب) على مر الزمن
رغم أن الكتاب المقدس قد دِّون أول مرة على مواد قابلة للفناء، وكان من الضروري نسخه مرات ومرات لمئات السنين قبل اختراع آلات الطباعة، إلا أنه ظل صحيحاً أسلوباً ومعنىً ولم يواجه خطر الفناء. وإذا ما قورن بغيره من الكتابات القديمة، فإن الكتاب المقدس له ما يؤيده من المخطوطات ما يفوق مخطوطات أي عشرة أعمال أدبية من الكلاسيكيات القديمة مجتمعة معاً. (طالع الفصل الثالث).

ويشير جون وارويك مونتجمري إلى أن الشك في نصوص أسفار العهد الجديد من شأنه أن يلقي بالشك على جميع الأعمال الكلاسيكية القديمة، فليس هناك وثيقة من العصر القديم تثبت المراجع صحتها على النحو الذي تثبت به العهد الجديد. ويعبر عن الفكرة نفسها بروس ميتسجر، أستاذ جامعة برينستون وأحد رواد نقد النص الكتابي في العالم، قائلاً إنه على النقيض من النصوص الأخرى القديمة، يقف الناقد لنصوص العهد الجديد موقف الحائر أمام غزارة مخطوطاته.

ويعلق برنارد رام على دقة وكثرة مخطوطات الكتاب المقدس قائلاً: لقد حافظ اليهود على هذه المخطوطات بعناية شديدة لم تعرفها أية مخطوطة أخرى. فمن خلال المازورا العليا والوسطى والسفلى حافظوا محافظة شديدة على كل حرف ومقطع وكلمة وفقرة. وكان عندهم طبقات خاصة من الشعب مهمتها الوحيدة حفظ ونقل هذه الوثائق بأمانة ودقة تامة، فكان هناك الكتبة والفريسيون والمازوريون. فـأي شخـص أحصى حروف ومقاطع وكلمات كتابات أفلاطون أو أرسطو أو شيشرون أو سينكا؟

ويقارن چون لي في كتابه أعظم كتاب في العالم بين الكتاب المقدس وكتابات شكسبير:

في بحث نشرته مجلة «نورث أمريكان رفيو» أورد أحد الباحثين بعض المقارنات المثيرة للاهتمام بين كتابات شكسبير والكتاب المقدس، وهي تبين أن مخطوطات الكتاب المقدس قد نالت من الاهتمام والعناية ما لم تنله أي كتابات أخرى حتى عندما سنحت الفرصة للحفاظ على النص الأصلي الصحيح بوسائل الطباعة بدلاً من استخدام وسائل النسخ اليدوي. كتب يقول: من الغريب أن نصوص شكسبير التي بقيت لفترة تقل عن المائتين والثمانية أعوام لا تحظى بالثقة والدقة التي يحظى بها العهد الجديد، الذي مضى عليه الآن أكثر من ثمانية عشر قرناً من الزمان، منها خمسة عشر قرناً على الأقل كان خلالها عبارة عن مخطوطات ... باستثناء عشرة أو عشرين آية فقط يمكن القول بأن كلمات كل آية من آيات العهد الجديد صحيحة تماماً باتفاق العلماء، حتى أن أي خلاف ينشأ فيما يختص بقراءتها يرجع إلى تفسير معاني الكلمات وليس إلى الكلمات نفسها. ولكن في كل عمل من أعمال شكسبير السبعة والثلاثين هناك مئات القراءات المختلف عليها بين الدارسين وأكثرها يؤثر جوهرياً في معنى الفقرات التي توجد بها.

2(ب) خلال عصور الاضطهاد
لقد ظل الكتاب المقدس صامداً أمام الهجمات الشرسة لخصومه، فقد حاول الكثيرون حرقه أو منعه أو حظره بموجب القانون منذ عصر الأباطرة الرومان حتى عصرنا الحاضر إبَّان الحكم الشيوعى.

في عام 303م أصدر الإمبراطور الروماني دقليديانوس أمراً بمنع المسيحيين من العبادة وأمر بالقضاء على كتابهم المقدس. وتم نشر مرسوم إمبراطوري في كل مكان يأمر بهدم الكنائس وحرق الكتاب المقدس وتجريد ذوي المناصب العليا من حقوقهم المدنية وتجريد المواطنين العاديين من حريتهم إذا ما تمسكوا بإيمانهم المسيحي.

ويسجل لنا المؤرخ الكنسي يوسابيوس في القرن الرابع الميلادي المفارقة التاريخية لهذه الحادثة فكتب يقول إنه بعد ربع قرن من صدور قرار دقليديانوس أصدر الإمبراطور الروماني قسطنطين قراراً بإعداد خمسين نسخة من الكتاب المقدس على نفقة الدولة. وبعد عدة قرون قال الملحد الفرنسي الشهير فولتير الذي مات عام 1778 ، أنه في خلال مائة عام من ذلك الوقت ستختفي المسيحية من الوجود وتدخل التاريخ. ولكن ماذا حدث؟ أصبح فولتير نفسه تاريخاً، بينما ظل الكتاب المقدس ينتشر يوماً بعد يوم في أرجاء العالم المختلفة حاملاً معه البركات أينما ذهب. فمثلاً بنيت الكاتدرائية الإنجليزية في زانزيبار في موقع سوق النخاسة القديم ووضعت مائدة العشاء الرباني في الموقع الذي كان العبيد يُجلدون فيه. ويزخر العالم بمثل هذه المواقف ... كما قال أحدهم : إن محاولة منع انتشار الكتاب المقدس كمحاولة إيـقاف قرص الشمس الـملـتهب عن الدوران.

أما بالنسبة لنبوءة فولتير عن اختفاء المسيحية والكتاب المقدس في خلال مائة عام يشير جايسلر ونيكس إلى أنه بعد خمسين عام فقط من وفاة فولتير قامت جمعية الكتاب المقدس بجنيف باستخدام مطبعته ومنزله لنشر الكتاب المقدس.

إن خصوم الكتاب المقدس يجيئون ويمضون، ولكنه يبقى صامداً. لقد صدقت كلمات الرب يسوع عندما قال: «السماء والأرض تزولان، ولكن كلامي لا يزول». ( مر 13: 31)

3(ب) بالرغم من النقد
أوضح هـ. ل. هستينجز الطريقة الفريدة التي صمد بها الكتاب المقدس أمام هجمات الملحدين والمتشككين:

لقد حاول الملحدون على مدى ثمانية عشر قرناً دحض هذا الكتاب والنيل منه، ومع ذلك فهو صامد اليوم كصخرة. فهو يزداد انتشاراً كما يزداد حب الناس له واعتزازهم به وقراءتهم له اليوم أكثر من أي وقت مضى. إن الهجوم الذي يشنه الملحدون على الكتاب المقدس، على كثرته وتنوعه، يشبه طَرْق مطرقة صغيرة على بناء الهرم. عندما اقترح الملك الفرنسي اضطهاد المسيحيين في فترة حكمه، قال له أحد رجال الدولة والمحاربين القدماء: يا سيدى، إن كنيسة الله هي سنْدان أبلى مطارق كثيرة. لقد حاولت مطارق الملحدين هدم هذا الكتاب لعصور طويلة، فبليت المطارق وبقي هو. وإن لم يكن هذا الكتاب هو كتاب الله، لاستطاع البشر القضاء عليه منذ زمن بعيد. لقد حاول النيل من الكتاب المقدس أباطرة وباباوات، ملوك وكهنة، أمراء وحكام، فماتوا هم وبقي هو. (Lea, GBW, 17-18)

ويضيف برنارد رام قائلاً:

لقد قرعت الأجراس معلنة موت الكتاب المقدس لآلاف المرات، فأُعد الموكب الجنائزي ووضع شاهد القبر وقُرئت الصلوات، ولكن الكتاب ظل حياً. ولم يتعرض أي كتاب آخر للنقد والتجريح والقدّح والذم مثلما تعرَّض له الكتاب المقدس. فأي كتاب في الفلسفة أو الدين أو علم النفس أو الأدب الكلاسيكي أو الحديث تعرَّض لمثل هذا الكمّ الهائل من محاولات الهجوم والنقد كالكتاب المقدس؟ ولهذا الكم من الحقد والشك؟ أو هذا التفصيل والتدقيق في كل فقرة وسطر فيه وفي كل تعليم له؟. ولا يزال الملايين يحبون الكتاب المقدس ويقرأونه ويدرسونه.

لجأ دارسو الكتاب المقدس في وقت ما إلى النتائج الأكيدة للنقد العالي. ولكن نتائج النقد العالي لم تعد أكيدة كما كنا نعتقد من قبل. ولنأخذ مثلاً الفرضية الوثائقية ، إن أحد أسباب ظهورها - فيما عدا الأسماء المختلفة المستخدمة للإشارة إلى الله في سفر التكوين - هو القول بأن الأسفار الخمسة الأولى من الكتاب المقدس لا يمكن أن يكون موسى هو كاتبها، بعد أن أثبتت النتائج الأكيدة للنقد العالى أن الكتابة لم تكن معروفة في أيام موسى، ولو وجدت فقد كان من النادر استخدامها. ومن ثم استنتج الدارسون أنها كتبت في عصر لاحق. فأخذ النقاد يعملون عقولهم ووضعوا نظرية تفترض أن هناك أربعة من الكتَّاب - يشار إليهم بالحروف D, P, E, J جمعوا الأسفار الخمسة معاً. ووضع هؤلاء النقاد هيكلاً نقدياً ضخماً حتى إنهم نسبوا أجزاء الآية الواحدة إلى كتاب مختلفين! (طالع الجزء الثاني من الكتاب لمعرفة تفاصيل أكثر عن الفرضية الوثائقية).

ثم اكتشف علماء الآثار الحجر الأسود . وهذا الحجر عليه كتابة مسمارية تحوي شريعة حمورابي المطوّلة. هل كانت هذه الكتابة لاحقة لموسى؟ كلا! إنها كانت سابقة لعصر موسى. وليس هذا فقط، ولكنها سبقت كتابات موسى بثلاثة قرون على الأقل. ولدهشة النقاد كانت هذه الكتابات أقدم من وقت وجود موسى الذي كان يعتقد النقاد أنه رجل بدائي لا يعرف الكتابة.

يالسخرية التاريخ! ولا تزال الفرضية الوثائقية تدرَّس، ولكن معظم مبادئها الأساسية (النتائج الأكيدة للنقد العالي) قد ثبت عدم دقتها.

ولقد افترضت النتائج الأكيدة للنقد العالي أنه لم يكن هناك وجود للحثيين في زمن إبراهيم حيث لم يسجل التاريخ عنهم شيئاً فيما عدا ما سجله الكتاب المقدس. فلابد أن وجودهم هو من قبيل الأساطير. ومرة أخرى ثبت خطأ هذا الاعتقاد إذ أن البحوث الأثرية قد كشفت عما يثبت أنه كانت هناك حضارة حثية واستمرت لما يزيد على 1200 عام.

ويقول إيرل رادماخر، الرئيس السابق للمعهد الغربي المعمداني المحافظ نقلاً عن نيلسون جليك، الرئيس السابق لمعهد اللاهوت اليهودي بكلية هيرو يونيون بسينسيناتي وواحد من أكبر ثلاثة علماء أثريين: استمعت إليه (جليك) عندما كان يتحدث في معبد عمانوئيل بدالاس، إحمر وجهه وقال: لقد اتهمت بأنني ادعي العلم بالوحي الحرفي المطلق للكتاب المقدس. وأريد أن يفهم الجميع أنني لم أعلم بهذا قط. فكل ما قلته إنني في جميع بحوثي الأثرية لم أجد قط أثراً واحداً يتعارض مع أي عبارة في كلمة الله.

أما روبرت ديك ويلسون، الملم بأكثر من خمس وأربعين لغة، فبعد أن أمضى حياته في دراسة العهد القديم يخلص إلى ما يلى: يمكنني القول بأن دراستي للكتاب المقدس التي دامت لخمسة وأربعين عاماً كانت تؤدي أكثر فأكثر إلى تعميق إيماني بأن لدينا من خلال العهد القديم سجلاً تاريخياً صحيحاً لتـاريخ الشعـب الإســرائيلى.

إن الكتاب المقدس فريد في قدرته على الصمود أمام هجمات النقاد. ولا يضاهيه أي كتاب آخر. ومن الأجدر بمن يبحث عن الحقيقة أن يفحص كتاباً يتمتع بهذه الصفات.
مقتبس عن برهان يتطلب قرار

اترك تعليقا

تأكد من إدخال جميع المعلومات المطلوبة، والتي تحمل علامة النجمة (*).