ديماس ومحبة العالم (2)

| الإثنين, 02 مايو 2016 |

ديماس ومحبة العالم (2)

... ديماس قد تركني إذ أحب العالم الحاضر وذهب إلى تسالونيكي...

إن محبة العالم هي الخطر الداهم الذي حطَّم خدمة ديماس. وليس المقصود طبعًا هو محبة العالم الطبيعي مثلاً. فهوذا سيدنا ـ تبارك اسمه ـ يقدم الطبيعة كتابًا مفتوحًا نتعلَّم منه. وكم من مرة وجَّه تلاميذه في تصوير بديع بأمثال كثيرة إلى الطبيعة مُعلمًا. هل تضيع من ذاكرتنا كلماته، تبارك اسمه «تأملوا زنابق الحقل كيف تنمو! لا تتعب ولا تغزل. ولكن أقول لكم: إنه ولا سليمان في كل مجده كان يلبس كواحدةٍ منها» ( مت 6: 28 ، 29)، فقد كان سيدنا يرى في الزنبقة والعصفور دليلاً على عناية الله الحانية بمخلوقاته جميعها. فلا ضير من الإعجاب بأعمال الطبيعة لأنها عمل يدي الله.

ولا الخطر يمتد إلى محبة الناس الذين في العالم، فهوذا سيدنا يبين لنا مبلغ محبة الله للعالم «حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل مَنْ يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية» ( يو 3: 16 ).

لكن الخطية هي محبة العالم الذي يقوده الشيطان، والقياسات العالمية التي هي من ابتكار الإنسان مدفوعًا بإيحاء الشيطان، وبهذا المعنى علَّمنا سيدنا أن الشيطان هو رئيس هذا العالم، وأنه إله هذا الدهر، كما يقول بولس. نعم، هذا العالم الحاضر، الواقع تحت سلطان إبليس، هو الذي أبغض المسيح وصلبه، ولا يزال يوصد قلبه في وجه الرب. والجزء الديني منه هو الذي فعل ذلك، وفعله باسم الرب. والعالم بهذا الوصف يتألف من الأذكياء. وغالبًا ما نراه جذابًا فاتنًا، بل ومتدينًا. ونرى خدامه يغيِّرون شكلهم إلى شبه ملائكة نور، غير أن الجهاز العالمي كله قائم أساسًا على الأنانية وإشباع الذات.

ولو أنك فكرت لحظة في حياة العالم، في القوى المتصارعة هناك، في القواعد التي يقوم عليها النظام، ترى أنه في أدق المسائل وفي أشدها خطرًا لا تتأسس على مبادئ إلهية. فمحبة الذات وليس إنكار الذات هي القاعدة العامة. لا ريب أننا نشاهد أيدي الإحسان تمتد هنا وهناك لإغاثة مَن حطمهم العالم في أوحال الزحام المسعور ركضًا وراء الأطماع والملذات، قد يكون هنالك قدر كبير من اللطف والمشاعر السليمة في العالم، على أننا إذا دققنا النظر، نتبين أن تلك الأيدي التي تمتد بالإحسان، إنما يبغي أصحابها المجد والصيت. وهذا هو العالم الذي أحبه ديماس.

مارش

اترك تعليقا

تأكد من إدخال جميع المعلومات المطلوبة، والتي تحمل علامة النجمة (*).